قطب الدين الراوندي
46
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
واما أن يكون على جهة التحقيق بعد تجوز ، وهو أن يكون المراد بالصفات المعاني من القدرة والعلم والحياة ، فان هذه المعاني إذا وجدت توجب صفاتها البتة على كل حال . ولما لم تنفصل تلك العلل من معلولاتها جاز أن يقوم مقامها كما تذكر المسببات وتقام مقام الأسباب وعلى عكس ذلك . وجميعه حسن في العربية لا مانع منه ، سيما إذا اقترن به أدلة عقلية . والذي يؤكد هذا التأويل ما أورده الشيخ المفيد في كتاب « الارشاد » برواية أخرى عن علي عليه السلام أنه قال : أول عبادة اللَّه معرفته ، وأصل معرفته توحيده ، ونظام توحيده نفي التشبيه عنه ، جل أن تحله الصفات ، لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع ، وشهادة العقول انه صانع ليس بمصنوع ، بصنع ( 1 ) اللَّه يستدل عليه . وبالعقول يعتقد معرفته ، وبالنظر يثبت حجته ، جعل الخلق ( 2 ) دليلا عليه فكشف عن ربوبيته ، هو الواحد الفرد في أزليته لا شريك له في إلهيته ولا ند له في ربوبيته ، بمضادته بين الأشياء المتضادة علم أن لا ضد له ، وبمقارنته بين الأمور المقترنة علم أن لا قرين له ( 3 ) . فهذه الرواية تصحح ما ذكرناه وما نذكره من بعد . وقال أكثر أصحابنا : المراد بنفي الصفات عنه وان أطلق اطلاقا صفات المخلوقين على التخصيص ، كما ذكره في آخر هذه الخطبة في وصف الملائكة أنهم لا يجرون على اللَّه صفات المصنوعين . وذلك لأنه عليه السلام أثبت الصفة للَّه في أول الخطبة بقوله « ليس لصفته حد محدود » على ما تقتضي أدلة العقول ،
--> ( 1 ) في الارشاد : ليس « مصنوع بصنع اللَّه » . ( 2 ) في د : الخلائق . ( 3 ) الارشاد 119 .